السيد محمدحسين الطباطبائي
84
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
لا ضياء عندها في نفسها ، وإنّما يستضاء فيها بسبب من أسباب الاستضاءة ، تدوم معه الاستضاءة ما دام ، وتفتقد إذا زال ؛ فأمّا البرق فليس من شأنه الدوام والبقاء ، وأمّا النار فلمّا أضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم الذي تسبّبوا له - بمثل ريح أو مطر وأشباههما . فهم بين حيرتين وعماءين : حيرة الظلمة التي هم فيها ، وحيرة بطلان السبب الذي تشبّثوا به للنجاة من حيرة الظلمة الأولى الأصليّة ، فحال هؤلاء المنافقين حال الكافرين كما مرّ ، فهم واقعون بين ضلال ذاتي وضلال آخر هو وبال أعمالهم الخبيثة ، حيث يزيدهم اللّه مرضا على مرض قلوبهم ، ويستهزئ بهم ، ويمدّهم في طغيانهم يعمهون . وسيجيء تتمّة الكلام في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي . . . « 1 » الآية . قوله سبحانه : يا أَيُّهَا النَّاسُ - إلى قوله : - تَتَّقُونَ لمّا بيّن سبحانه حال الفرق الثلاث : المتّقين والكافرين والمنافقين - وأنّ المتّقين على هدى من ربّهم وهم المفلحون ، وأنّ الكافرين ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، وأنّ المنافقين صمّ بكم عمي ومرضى يزيدهم اللّه مرضا - وذلك في تمام تسع عشرة آية ، فرّع تعالى على ذلك أن دعاهم إلى عبادته ، وأن يلتحقوا بالمتّقين ، دون الكافرين والمنافقين ، بهذه الآيات الخمسة إلى قوله : خالِدُونَ . « 2 » وهذا السياق يعطي كون قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ متعلّقا بقوله : اعْبُدُوا * دون قوله : خَلَقَكُمْ وإن كان المعنى صحيحا على التقديرين .
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 26 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 25 .